محمد أبو زهرة

1232

زهرة التفاسير

هذه المعجزات الأربع وغيرها ، هي آية اللّه تعالى لإثبات رسالة السيد المسيح عليه الصلاة والسلام ؛ ولذا قال تعالى بعد ذكرها : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن في هذه الأمور التي أجراها اللّه على يد السيد المسيح عليه السلام لآية ، أي لعلامة واضحة بيّنة تدل على صدق رسالته ، وتثبت دعوته ، ويقتنع بها من يريد الاقتناع . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إيماء إلى أن الذين يقتنعون بالحجج والآيات هم الذين من شأنهم أن يذعنوا للحق ، ويخضعوا له ؛ فالناس قسمان : قسم يذعن للحق ويؤمن به إن قام الدليل عليه ، وأولئك هم الذين من شأنهم الإيمان والإذعان للحق ؛ وقسم لا يزيده الدليل إلا عنادا واستكبارا ، وأولئك هم الذين من شأنهم أن يجحدوا ولا يذعنوا للحق إذا دعوا إليه ؛ ولذلك عبر بالوصف في قوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن كان الإيمان والإذعان للحق شأنا من شئونكم ، ووصفا ذاتيا لكم . وإن هذه المعجزات الباهرة القاهرة التي خضع لها من خضع ، وكفر بعدها من كفر ، دليل على أن الدليل مهما يكن قويا لا يكفى للإيمان ، بل لا بد من اتجاه نفسي لطلب الحق من أن يتأشب بالنفس أي داع من دواعي الهوى ، أو أي غرض من أغراض الدنيا ؛ وأي دليل حسى أقوى في الدلالة على الرسالة الإلهية من إحياء الموتى ، وأن يصور من الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن اللّه ، ومع ذلك آمن من آمن ، وكفر من كفر ، وكان الذين عاندوا أكثر عددا من الذين أذعنوا وآمنوا ، واللّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم . بعد أن أشار سبحانه إلى الآيات الكبرى التي أجراها على يدي السيد المسيح عليه السلام ، أشار إلى رسالته ، وهي تتلخص في أمرين : أنها مصدقة لما جاء في التوراة مع إحلال لبعض الذي حرم على اليهود فيها ، وثانيها : أنه يدعو إلى الإيمان بأن اللّه خالق كل شئ ومبدعة ومنشئه بإرادته المختارة ؛ وهذا ما تضمنه قوله تعالى : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ :